الحرب على الأكراد في تركيا وعواقبها

|

مجدداً تسود الحرب في المناطق الكردية في تركيا ولا تلوح في الأفق أية بوادر لوقف التصعيد. ويتزامن هذا مع إستمرار حكومة أردوغان بالعمل على تقويض الديمقراطية لتوسيع وتأمين نفوذها. وفي الوقت ذاته، قامت ألمانيا والوحدة الأوروبية بالوقوف إلى جانب الحكومة التركية وإبرام إتفاق معها، ينص على إعتبار تركيا بلداً ثالثاً آمناً، بحيث يمكنهم ترحيل اللاجئين المرفوضين إليه. وبهذا تكون الأولوية لحماية القلعة الأوروبية على حساب حماية اللاجئين والأقليات العرقية، بل وعلى حساب حماية الديمقراطية في تركيا.

إسماعيل كوبيلي

لا تزال الحرب في تركيا، والتي أودت بحيات آلاف الأشخاص، مستمرة منذ نهاية شهر تموز 2015. ولقد تطور حظر التجول وحصار المدن الكردية في شمال تركيا إلى وضع دائم. بحيث أصبحت بعض هذه المدن، كسيزر وسيلوبي ونصيبين تتعرض إلى الهجمات العسكرية بشكل مستمر. وخلال حظر التجول والهجمات العسكرية على تلك المدن، قُتل مئات من المدنيين الأكراد وأصيب عدداً لا يحصى من الأشخاص، كما دُمرت شوارع بأكملها.

إنها حرب غريبة، تلك التي لم يقم الإعلام الألماني لفترة طويلة بتعريفها كحرب. فبالنسبة للحكومة الإتحادية ودول الإتحاد الأوروبي  كان التفاوض مع الحكومة التركية لإعادة اللاجئين إليها، وبذلك حماية القلعة الأوروبية، أهم من حماية البشر، الذين عليهم أن يخشوا الهجمات والملاحقات الممنهجة في تركيا. فالهدف الذي يسعى إليه الساسة الأوروبيين هو تصنيف تركيا كبلد عبور آمن، وذلك ليتمكنوا من إبعاد اللاجئين الذين يحاولون الوصول إلى قلب القلعة عبر اليونان. إلا أن تركيا ليست بلداً آمناً، لا للآجئين ولا لكثير من الأقليات التي تُنتهك حقوقها بشكل ممنهج.

سيزر كمثال للحرب 

 لتقييم هذه الحرب الجديدة بشكل صحيح، سيكون من المفيد إلقاء نظرة على الوضع في مدينة سيزر. ففي عام 2015 كانت سيزر الواقعة على الحدود التركية السورية هدفاً لهجمات متكررة من قِبل الجيش والشرطة التركيين. وفي إحدى هذه العمليات تم قتل ما يزيد عن 20 شخص في أيلول 2015 – وكان ذلك لعدة أسباب ليس أقلها فرض الجيش التركي لحظر التجول بالقوة، ومن خلال إستخدام القناصة. ولقد عُكست أعداد الضحايا في التقارير التي أعدها ناشطون في مجال حماية حقوق الإنسان، والذين دخلوا إلى المدينة بعد رفع حظرالتجول عنها ليقوموا بتحليل الوضع.

ذلك وقد تكرر فرض حظر التجول على مدينة سيزر مراراً. فلجأ المدنيون الذين دُمرت منازلهم إلى الأقبية، حيث إنتظروا النجدة. ولأن حظر التجول حال دون إجلاء المصابين من المنطقة المتنازع عليها، قام هؤلاء بدورهم باللجوء إلى تلك الأقبية أيضاً. وفي مطلع شهر شباط 2016 حاول نواب من حزب الشعوب الديمقراطي [1] ومنظمات حقوق الإنسان ومدنيين أكراد من المناطق المجاورة، إنقاذ المصابين. إلا أن الجيش والشرطة التركيين قاما بمنع تلك المحاولات بإستخدام العنف، فلم يتمكن المصابين من مغادرة الأقبية، حيث بدأ الجنود بإطلاق النارعليهم مباشرة – حسب شهود عيان.

وبعد أن قضى العديد من المصابين المدنيين، أعلن الجيش التركي في 8 شباط 2016 بأنه قام بإقتحام أحد الأقبية في مدينة سيزر وقتل العشرات من “إرهابيي حزب العمال الكردستاني”. وبعد وقت قصير تأكدت أسوأ المخاوف. ففي تلك الأقبية كان هناك مصابين من المدنيين بقوا حتى آخر لحظة يأملون بأن يتم إنقاذهم.

وفي الأيام التالية، تكررت تلك العمليات من قبل الجيش التركي، حيث تم إقتحام إثنين آخرين من الأقبية على الأقل. ويبدوا أنه تم دحض السيناريو الذي حاول الجيش التركي ترويجه، وهو بأن الضحايا كانوا من مقاتلي حزب العمال الكردستاني، وذلك لعدة أسباب ليس آخرها، إدعاء الجيش التركي بعدم وقوع أي خسائر في صفوفه، في الوقت الذي قام فيه بقتل 60 من “إرهابيي حزب العمال الكردستاني”.

وكما حدث في هجوم شهر ايلول 2015، حاول ناشطون في مجال حقوق الإنسان وسياسيون من حزب الشعوب الديمقراطي، بعد رفع جزئي لحظر التجول في سيزر، من تدوين هوية وعدد الضحايا. ووفقاً لتقاريرهم، تم العثور على مالا يقل عن 180 شخص في الأقبية، لم يتم تحديد هويتهم بشكل كامل حتى هذا اليوم. تعتبر سيزر مثالاً للحرب على الأكراد وللتعامل القانوني والسياسي مع جرائم الحرب التي إرتكبها الجيش التركي. وأصبح تدمير المدن الكردية سِمة أساسية للحرب الحالية. إلا أن هذه الأعمال تبقى دون عقاب ولا يتم مقاضاة الجناة المشتبه بهم. ثقافة الإفلات من العقاب هذه، ستجعل من إمكانية حدوث مصالحة مستقبلية في تركيا أمراً أقرب إلى المستحل.

ألمانيا ليست صامتة

تعالت العديد من الأصوات المنتقدة لصمت الحكومة الألمانية حيال جرائم الحرب وإنتهاكات حقوق الإنسان تلك التي تجري في تركيا. وفي الوقت نفسه، يُعتبر النقاش حول “الصمت الألماني” تعبيراً مُلطفاً وليس دلالة على تحليل نقدي لدور ألمانيا. فلقد قامت ألمانيا من خلال الإتحاد الأوروبي وبالتعاون مع تركيا بالعمل على الحماية من اللاجئين الغير مرغوب فيهم. بحيث تُصبح تركيا من خلال هذا التحالف الأوروبي التركي حارساً على أبوب القلعة الأوروبية. وبمقابل ذلك لن تحصل تركيا من الإتحاد الأوروبي على دعم مادي يقدر بالمليارات فحسب، بل وعلى الإعتراف السياسي من قبل الحكومة الإتحادية والإتحاد الأوروبي، ذلك فضلاً عن إستئناف المفاوضات حول إنضمام تركيا إلى الإتحاد الأوروبي. ولقد أحدثت هذه التدابير أثراً رمزياً واضحاً على الناخبين الأتراك: فأردوغان وحزب العدالة والتنمية الحاكم هما الأنسب لإنتزاع التنازلات من الغرب.

إلا أن التعاون بين الإتحاد الأوروبي وتركيا لا يقتصرعلى تمويل مخيمات اللاجئين في تركيا فقط، بل ويشمل التعاون المشترك بين الشرطة والأجهزة الأمنية في دول الإتحاد الأوروبي وتركيا. ولقد تمت بالفعل عمليات مداهمة مشتركة “لمهربين بشر” مفترضين تم التنسيق لها بين كل من الشرطة الألمانية ونظيرتها التركية. ذلك ومن المتوقع أن لا يكون التعاون في هذا المجال فقط، بل سيتسع نطاقه على الأرجح. وبعيداً عن الإتفاقية بين الإتحاد الأوروبي وتركيا، قامت ألمانيا بإتخاذ قرارات مشتركة مع تركيا. ولن تكون إتفاقية “مكافحة الإرهاب” المشتركة خالية من التبعات، حيث أنها تنص بشكل صريح[2] على محاربة حزب العمال الكردستاني وحزب جبهة التحرير الشعبي الثوري [3]التركي، إلى جانب محاربة داعش. وبما أن الحكومة التركية تحتفظ بالحق الحصري في تعريف من هو العدو السياسي، فإن التهديد بالقمع والإضطهاد لن يطال الأقليات العرقية والمعارضة السياسية في تركيا فحسب، بل وسيصل إلى المعارضين السياسيين لحكومة حزب العدالة والتنمية في ألمانيا أيضاً.

قريباً “الوضع السوري” في تركيا؟

ونظراً لهذا الوضع المعقد من وجود حكومة تركية مستبدة، تسعى من خلال التصعيد العسكري إلى البقاء في السلطة، مع عدم مبالاة من قِبل الرأي العام التركي، وتزايد الشعور بالإحباط والغضب لدى السكان الأكراد، بالإضافة إلى إستمرار الغرب في دعم نظام حزب العدالة والتنمية، تبقى المؤشرات على قرب إنتهاء هذه الحرب ضعيفة جداً. بل على العكس من ذلك، فمن المرجح أن يتسع نطاق هذه الحرب في 2016.

فلقد تحدث مراقبون في تقارير أولية، عن إمكانية إقتراب الحالة في تركيا من “الوضع السوري” – وبعبارة أخرى، إندلاع حرب أهلية في جميع أنحاء البلاد. إلا أن التحالف الأوروبي التركي باقٍ، ومازال الإتحاد الأوروبي يعتبر تركيا بلداً ثالثاً آمناً. وبهذا يبقى اللاجئون في تركيا عرضة لتعسف رئيس دولة، يقوم بإنتهاك حقوق الإنسان ومخالفة القانون الدولي بشكل ممنهج.

وبهذا فإن حكومات الدول الأعضاء في الإتحاد الأوروبي، التي طالما نادت بالقيم الديمقراطية والأخلاقية، وفي مقدمتهم الحكومة الألمانية الاتحادية، تتحمل أيضاً مسؤولية ما يحدث.

[1]  حزب الشعوب الديمقراطي = HDP

[2] https://www.bundesregierung.de/Content/DE/Pressemitteilungen/BPA/2016/01/2016-01-22-gemeinsame-erklaerung-deu-tur-konsultationen-deutsch.html, Zugriff 16. August 2016

[3] حزب جبهة التحرير الشعبي الثوري DHKP-C =

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *